نفس تواقة
محمد فهد
المتعلم في الصف السادس
مدرسة معهد الخليل الإسلامي
كانت فاطمة مهما فرغت من أعمال بيتها الصغير، جعلت تعالج القطن، وتتذكر ماضيها الزاهر، وما كان لها من عيش رغيد.
نشأت في أحضان الهناء والرخاء تتقلب في آلاء الله وما سمعت كلمة “لا ولِمَ” من أبيها ولا من ينوب منابه، وما طلبت شيئا إلا ظفرت بها، ولا اشتهت شيئا إلا حازت عليها، ولقد نالت في حياتها كل ما تطمع فيه فتاة حتى بنات الأمراء بدأن تحسدن عليها، وتتحلب أفواههن على حظها، وكانت بارعة الجمال بالغة الأناقة، تطمح إليها أنظار الفتيان، وكلٌّ كان يحبّ أن يكون لها عروسا، ولكن ابتسم لها الحظ، واختار لها أبوها ابنَ عمها (عمر) للزواج، وزوّجها به، فانتقلت من عيش رخيّ إلى عيش أرخي، ومن نعمة كبيرة إلى كبرى.
وكان زوجها عمر أكثرَ الناس مالا وترفُّهًا، غُذِي بالنِّعَم، ونما في ظلالها، ولباسه يزيد ثمنها على خمسة آلاف درهم، والعطر الذي يتعطر به يستورد له خاصة من الهند، فربما دخل الثوب في النحل فيشده حتى يتمزق ولا ينحني ليصلحه.
فكانت سابحة في الأفكار ذات يوم، فإذا قرعت الباب امرأة ودخلت على فاطمة، فسلمت، فرددت عليها السلام، فسألتها عن سبب مجيئها، فقالت: إني أريد لقاء زوجكِ: عمر لبعض حوائجي، فأمرتها بالانتظار حتى رجع، فأصبحت الواردة تحيل بصرها إلى جدران البيت الرثيثة، وزاده القليل، وسذاجة المقيمين، ولم تر شيئا له بال فجعلت تقول في نفسها متعجبة: إنما جئت لأعمّر بيتي من هذا البيت الخرِب! فكيف؟
إذا هي برجل دخل البيت، وسلّم على أهله، فمال إلى بئر في ناحية الدار، وانتزع منها دلاء فصبّها على طين، وبدأ يصلح جدران البيت.
وهو يكثر النظر إلى فاطمة، فقالت المرأة: يا سيدتي! ألا تسترين عن هذا الطيان؟ فإني أراه يديم النظر إليك، فابتسمت فاطمة، فقالت ليس هو طيان، هو زوجي وسيدي عمر الذي قصدتِ إليه، فدهشت المرأة.
أما عرفتم بعدُ مَن هذان الزوجان؟
أما الزوج هو أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، وزوجته هي فاطمة بنت عبد الملك.
عمر بن عبد العزيز ولد سنة 61 من الهجرة، في نفس السنة التي استشهد فيها السيد حسين بن علي ، تربىّ وتعلم على يدي كثير من العلماء والفقهاء، وقد بلغ عدد شيوخه إلى ثلاثة وثلاثين، بينما ثمانية منهم الصحابة.
ولّاه الخليفة الوليد بن عبد الملك إمارة المدينة سنة ٨٧هـ، ثم ضم إليها ولاية الطائف سنة 91هـ، وبذلك صار واليا على الحجاز كلها. وكانت المدينة في ولايته ملاذا وحيدا للفارين من عسف الحجاج وظلمه، ولكن لما كان الوليد مائلا إلى سياسة الحجاج وظن أن سياسة الشدة والعسف هي السبيل الوحيد لتوطيد أركان الدولة، فعزل عمر بن عبد العزيز، ثم لما تولّى سيلمان بن عبد الملك الخلافة قرّب عمرَ من نفسه، وجعله وزيرا مستشارا ملازما له أثناء حضره وسفره، وقال له: “يا أبا حفص إنا قد ولّينا ما قد ترى، -ولم يكن بتدبيره علم- فما رأيت من مصلحة العامة فمُر به”.
ويعد من حسنات سليمان أنه ولى الخلافة بعده عمر بن عبد العزيز.
ولما استقرت الخلافة على اسم عمر بن عبد العزيز أقام حكومته على طريقة الخلفاء الراشدين، وعلى ترك المظاهر الترف والتنعم، فلما أتي بمراكب الخلافة ليركبها امتنع من ذلك، وأنشأ يقول:
فلولا التقي تم النهى خشية الردى
لعصيت في حب الصّبا كل زاجر
قضى ما قضى فيما مضى ثم لا ترى
له صبوة أخرى الليالي الغوابر
ثم قال: قدموا إليّ بغلتي، وأمر ببيع مراكب الخلافة، وانقلب وهو مغتم مهموم، فقال له مولاه: مالك هكذا مغتما مهموما وليس هذا وقته؟
فأجاب: ويحك! مالي لا أغتم، وليس أحد من أهل المشارق والمغارب من هذه الأمة إلا وهو يطالبني بحقه أن أؤديه إليه، سواء طلبه مني أو لم يطلب.
وقال لزوجتها: يا فاطمة! يا حبيبتي! أنا لا أريد فراقك، ولا أوثر أحدا عليك، ولكني لا أريد أن أظلمك، وأخشى أن لا تصبري على ما اخترته لنفسي من ألوان العيش، فإن شئت سيّرتُك إلى دار أبيك.
قالت: وماذا أنت صانع؟ قال: إن هذه الأموال التي تحت أيدينا وتحت أيدي إخوتك وأقربائك قد أُخِذت كلّها من أموال المسلمين، وقد عزمتُ على نزعها منهم وردّها إلى المسلمين، وأنا بادئ بنفسي، ولن أستبق إلا قطعة أرض لي اشتريتها من كسبي، وسأعيش منها وحدها، فإنك لا تصبرين على الضيق بعد السعة فالحقي بدار أبيك.
قالت: وما الذي حملك على هذا؟ قال: يا حليلتي! إن لي نفسا تواقةً، ما نالت شيئا إلا اشتهت ما هو خير منه، نلت الإمارة لكن اشتهيت ما هو خير منها، وهو الجنة.
فقالت: إني أحب أن أكون معك في الجنة كما أنا معك في الدنيا.
______________
(1) البداية والنهاية.
(2) موسوعة السير.
(3) قصص من التاريخ للدكتور على الطنطاوي.