كيف أقرء القرآن؟ ايمن أبو مصطفى
كيف أقرء القرآن وأتذوق جماله؟
أ.د. أيمن أبو مصطفى
أستاذ النقد والبلاغة والدراسات الأدبية بالجامعة الإسلامية-أمريكا
كثيرون يقرؤون القرآن، ويقرؤون تفسير القرآن، ويقرؤون في علوم القرآن. لكننا لا نريد قارئاً بل إنما نريد متدبرا، ومتذوقا لنصل إلي باحث في بلاغة القرآن، والباحث يختلف عن القارئ العادي، فالقارئ العادي يكون متلقياً سلبياً، أو يقرأ لمجرد المتعة أو الثقافة.
أما القارئ الباحث فهو يناقش، ويجادل ويسأل، وكما قيل: “العلم مفتاح أو العلم مدينة” ومفتاح مدينة العلم هو السؤال، فإن أردت أن تكون عالماً، فلابد أن تكون متسائلاً، وأغلب العلماء الذين كتبوا في العلوم، هم في الحقيقة كانوا يجيبون أسئلةً.
وأول كتاب في بلاغة القرآن الكريم هو مجاز القرآن لأبي عبيدة ، كأن إجابة عن سؤال حينما قالوا له: ﷲ يقول: ﴿طَلۡعُهَا كَأَنَّهُۥ رُءُوسُ ٱلشَّيَٰطِينِ﴾ (1)، والناس لم تر رؤوس الشياطين، ولم تر شجرة الزقوم، والتشبيه في الأصل يؤتي به ليقارب بين شيءٍ مجهول وشيءٍ معلوم، فنستدل على المجهول من خلال المعلوم، فنقول: محمدٌ كالقمر في الجمال. فنشبه محمداً بالقمر، ونحن نري القمر، ونعرف القمر، ونعرف خصائص القمر، لكن حينما يقول ﷲ عن شجرة الزقوم: ﴿طَلۡعُهَا كَأَنَّهُۥ رُءُوسُ ٱلشَّيَٰطِينِ﴾ (2)، فهل رأى أحدٌ رؤوس الشياطين؟
لم يرها أحد، فكيف يشبه القرآن شجرة الزقوم أو طلع شجرة الزقوم برؤوس الشياطين؟
سمع أبو عبيدة هذا، فأجاب السؤال، فقال: إن ﷲ خاطب العرب على طريقتهم، فالعرب حينما يريدون التهويل يأتون بشيءٍ ليس معروفاً، فجاء القرآن بهذه الطريقة موافقاً لسنن العرب.
فكأن هذا السؤال مثيرا لأبي عبيدة وكانت إجابته سببا لتأليف كتابه “مجاز القرآن” وكأن “مجاز القرآن” اللَبِنة الأولى في التفكير البلاغي عند العرب.
يقصد أبو عبيدة بالمجاز البلاغة عامةً، فالألفاظ إما أن تكون على معناها الحقيقي، وإما أن تجاوز المعنى الحقيقي فتسمى مجازاً، وهذا هو معنى المجاز، تكون بمعناها الحقيقي كأنك تقول: مثلاً، أنا آكل الطعام، فالطعام هنا له خصائص المأكولات، فهو شيءٌ يؤكل، لكن حينما يقول : ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتٗا﴾ (3)، فهل كلمة يأكل بمعناها الحقيقي؟
بالطبع الإجابة “لا” فهي تجاوزت المعنى الحقيقي إلى معنى آخر تستطيع أن تكتشفه من خلال الإضافة لحم أخيه ميتاً، فإضافة اللحم إلى الأخ جعلته مستبعداً؛ لأننا لن نأكل لحم الأخ فهو لا يؤكل، ثم كان الحال ميتاً الذي زاد الأمر ابتعاداً عن المعنى الحقيقي؛ لأنه لا يمكن، وحتى لو كان ممكناً فكيف يؤكل ميتاً؟ فأنت خرجت من المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي، وكذلك قوله تعالى: ﴿الذین يأكلون الربا﴾ (4)، فالربا هل يمكن أن نأكله نحن؟ وهل نحن نأكل المال؟ فخرجنا من المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي.
وبهذه الفكرة المنبثقة من السؤال بدأ التفكير في البلاغة، وبدأت البلاغة تكون خادمةً للقرآن الكريم، وهذا يجعلنا نقف وقوفاً طويلاً قبل أن نربط بين البلاغة عامة وبلاغة القرآن وبلاغة الحديث النبوي، فهناك فارق بين بلاغة القرآن الكريم وبلاغة الشعر وبلاغة النثر والبلاغة عامةً.
حيث كانت البلاغة في بدايتها ذات سمعة سيئة، حيث كانت عند الإغريق واليونان مرتبطة بالسفسطة، وكأن همهم هو قلب حقائق، فيقلبون الحق باطلاً، والباطل حقاً؛ ولذلك أخرج أفلاطون الشعراء من المدينة الفاضلة؛ لأنه يعدهم من الكاذبين، ولا يمكن أن يدخل الكاذبون المدينة الفاضلة التي أرادها.
وقد أشار النبي إلى ذلك في حديث أم سلمة حيث كان النبي عندها يعني فسمع خصومةً بباب الحجرة، فخرج إليهم، فقال النبي : “إنما أنا بشرٌ، وإنكم تختصمون إليَّ، فيكون أحدكم ألحن بحجته -وفي رواية أبلغ بحجته، وفي رواية أفصح بحجته- من أخيه فأقضي له، فإنما أقضي له بقطعةٍ من النار، فإن شاء أخذها وإن شاء تركها” (5).
فيمكن أن تُستخدم البلاغة استخداماً مخادعاً، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الاستخدام فحينما تحدث عن المنافقين قال: ﴿وإن يقولوا تسمع لقولهم﴾ (5)، “فتسمع” تشير إلى أن كلامهم مقنع لما فيه من خداع وتزيين.
وليس الأمر كذلك مع القرآن والحديث النبوي، فالتزيين في البلاغة القرآنية وبلاغة الحديث النبوي ليس غاية في ذاته، وإنما هو وسيلة لتمكين المعني، ففي سورة الفجر مثلا هل يمكن أن يستقيم المعنى دون وجود التضاد؟
فالسورة كلها قائمة على هذه العلاقات، وكأنها تبين لك حقيقة الدنيا، فإياك أن تغتر بها، وإياك أن تيأس، و إياك أن تغتر برفعة الظالم؛ فالله أهلك عاداً، و أهلك ثمود، وأهلك فرعون، كما أنها بهذه البنية تحذر من الاغترار بعطاء ﷲ للظالم أيضاً، فليس العطاء دليل علي الحب، وليس المنع دليلاً على الكره، وإنما هو عطاء اختبار، ﴿فَأَمَّا ٱلۡإِنسَٰنُ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ رَبُّهُۥ فَأَكۡرَمَهُۥ وَنَعَّمَهُۥ﴾ (6)، فهذا العطاء يستلزم معرفة التعامل مع المعطي، ﴿كَلَّاۖ بَل لَّا تُكۡرِمُونَ ٱلۡيَتِيمَ وَلَا تَحَٰٓضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ وَتَأۡكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكۡلٗا لَّمّٗا وَتُحِبُّونَ ٱلۡمَالَ حُبّٗا جَمّٗا﴾ (7).
فإن أردت أن يدوم لك العطاء مع البركة، فعليك ألا تفعل هذه الأمور التي ذكرتها الآيات، فالتضاد هو سر هذه المعاني، فلذلك نحن نحاول أن نفكر من خلال اللغة، ونحاول أن ندرس فكر علماء الإعجاز.
ولعل هذا ما قصده عبد القاهر الجرجاني بالنظم، فالنظم عنده تعاليق الكلمات بعضها ببعض، وهو ليس منعزلا عن النحو، فيشبه الناظم وواضع حبات الخرز في سلك ليصنع عقدا فريدا، فمستحيل أن يكون هذا النظم اعتباطيا، وإنما يكون بحساب ودقة وإتقان.
فالنظم أن تأتي بالمعاني، فتعبر عنها بألفاظ، تكشف لك عن أسرار هذه المعاني، وهذا ما ينبغي أن نفكر من خلاله، ونحن نقف على القرآن الكريم.
ومن جمال النظم ترابط الآيات، ليس فقط الآيات بل السور، فالقرآن الكريم كالكلمة الواحدة من مبدئه إلى منتهاه، ولعل القارئ يلاحظُ ذلك من خلال تتابع السور والآياتِ، وهناك أبحاث كثيرة حول هذا الموضوع، وهي جديرة بالقراءة.
وبهذه الطريقة يصبحُ القارئ كالغواص، بقدر قدرته على الغوص تكون قدرته على التقاط الدرر والنفائس، فالقرآن نص ينفتح بإعادة النظر، وطول التأمل، ولذا فلن يستفيد من القرآن إلا من امتلك قدرة على التأمل والتدبر.
ولعلنا نستكشف من خلال ما تقدم قيمة التحفيز على التفكر والتدبر والدعوة إلي العلم، وإنك لترى ذلك في “لعلهم يتفكرون”، “لعلهم يتذكرون”، ” لعلهم يفقهون”، “أفلا يتدبرون”، “أفلا يعقلون”، “أفلا ينظرون” …
فهذه الدعوات المستمرة إلى البحث والتأمل والتفكر والتعقل والتدبر والتفقه تدفعنا إلى استكشاف المعاني الثواني والقيم الضمنية لآيات القرآن الكريم، ومن سلك هذا المسلك وجد حلاوة الذكر، وتعلق قلبه بالقرآن.
ولعلنا نقف على مواضع من ذلك في مقالات قادمة بإذن الله تعالى، نحاول أن ننقل للقارئ الكريم بعض مطارح الجمال في هذا النص المعجز، ونسأل الله القبول والسداد، وأن يغفر لأبي رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته.
______________
(1) (الصافات: 65).
(2) (الصافات: 65).
(3) (الحجرات: 12).
(4) (البقرة: 275).
(5) (صحيح البخاري: 6967).
(6) (المنافقون: 4).
(7) (الفجر: 15).
(8) (الفجر: 17-20).