لا إسلام بلاعربية
🪶الأستاذ محمود بن علي التونسي
الكل يعلم أن العربية هي سور الإسلام؛ ما دامت العربية حية، فالإسلام حي، وما دامت العربية مفهومة، فالإسلام مفهوم. فإذا ما ماتت العربية، مات معها الإسلام؛ لذلك نتجت عن هذه الفكرة المقولة: لا إسلام بلا عربية.
وكلما ابتعد الناس عن العربية، ضعف فيهم الإسلام، وانتشرت فيهم أفكار منحرفة خارجة عن الإسلام، وهذا يرشدنا إليه التاريخ.
وفي فترة من الفترات، كان معتمد العلماء على العربية. ننظر أيام الصحابة، لم تكن لديهم علوم كثيرة، مثل النحو والصرف والاشتقاق والوضع والبلاغة، يعتمدون عليها في فهم النصوص.
ما كان لديهم شيء يقال له النصوص؛ كانوا يحفظون الشعر والخطب والرسائل، وتعدّ عمدةً لهم في فهم القرآن والحديث. وكانت تلك النصوص الشعرية والنثرية تمثل لهم علمًا خاصًّا، كانوا يتداولونها في فهم النصوص.
كلما اعترضتهم إشكالية في فهم القرآن الكريم، أو في فهم شيء من السنة، يعودون إلى ما قاله العرب في شعرها ونثرها.
وكان هذا العلم، علم النصوص أو علم الشعر والنثر، روائيًّا يُروى ويُحفظ، ولم يكونوا في حاجة إلى شرح، وكان علمًا كافيًا شافيًا لهم، بحيث إنهم كانوا في زمن الصحابة قادرين على مثل هذا.
ثم بمرور الزمن، لما ظهر النحو وفسد اللسان، ظهرت ضرورة إيجاد قواعد لصيانة اللسان عن الخطأ، فتلك القواعد تتمثل في علم النحو والصرف والبلاغة وغيرها.
وهذه العلوم وُضعت لحفظ اللسان، فإذا أتقنها الإنسان، فإما أن تولّد فيه ملكة عربية يستطيع بها أن يفهم القرآن والسنة، أو أن تكون هذه العلوم في حد ذاتها قائمة مقام الملكة في اللسان.
فهذه العلوم التي نحن نتدارسها ونسميها بالعلوم الآن، هي علوم لسان العرب، أي مختصة باللسان، وهذا واضح من الإضافة.
ولذلك ننظر مثلًا إلى الإمام السجاعي في حاشيته، عندما يعرّف العربية، يقول:
العربية تنسب إلى العرب، وهي علم يحترز به عن الخطأ في كلام العرب.
يعني أن سبب وضع هذه العلوم هو صيانة اللسان في العربية.
لكن هذه العلوم، من أين أُخذت؟ ومن أين وقع استنباط مسائلها وقواعدها؟
وقع انتزاعها من نفس النصوص الشعرية النقلية. إذًا، هي تعدّ دليلًا مثبتًا لأحكام النحو ومسائل الصرف، مثلما أن القرآن والسنة والإجماع والقياس أدلة مثبتة للشرع.
فنحن نسمي الأحكام المثبتة علمًا، ونسمي الأدلة المثبتة أيضًا علمًا.
وفي العربية، نحن لم نفعل ذلك؛ نسمي علم النحو علمًا، ولكن لا نسمي النصوص الأدبية علمًا، وهذا خطؤنا نحن، وإلا فالنصوص في الحقيقة علم تثبت به أحكام كثيرة.
والأوائل كانوا يتعاملون مع تلك النصوص على أنها علم.
عندما ننظر إلى ما قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
تعلّموا العربية فإنها من دينكم.
ففي أيام عمر لم يظهر الصرف والنحو، فأي عربية كان يقول لتعلّمها؟
يقينًا، العربية التي كان يأمر بها هي الشعر والنثر.
فإنها من دينكم، ونحن نعتقد أن ديننا علم، فالعربية علم.
كذلك لو نظرنا في قول الإمام الشافعي، أو في قول عمر أيضًا ـ والأثر مروي في مصنف ابن أبي شيبة، ومصنف عبد الرزاق، وشعب الإمام البيهقي ـ يقول:
تفقّهوا في العربية وتفقّهوا في السنة.
فكلمة «تفقّهوا» كلمة عربية تشير إلى أن العربية هي فقه.
وبالنظر إلى الجملة الثانية: «تفقّهوا في السنة»، نحن نقول: إن السنة هي فقه، وليس فيها فقه، إذًا فالعربية فقه مثله تمامًا، لا نستطيع أن نعطي هذه نصف حكم، وذاك حكمًا كاملًا.
لمَ يقول عمر: تفقّهوا في العربية؟
لأن الدين الإسلامي مركّب من أفعال وأقوال، لا سبيل للوقوف على مطالب الأقوال إلا عن طريق لسان العربية، ولا سبيل للوقوف على أعمال الدين وكيفيتها ومقاديرها وشروطها إلا عن طريق السنة.
فمن جمع الفقه في العربية والسنة فقط، جمع العلم وحاذاه.
ونحن نعتقد اليوم خطأً أن العربية مجرد لسان كبقية الألسن، والحقيقة أنها علم وليست مجرد لسان.
ولذلك نرى العلماء يقولون: علم اللسان، وبهذه التسمية يشيرون إلى أن العربية لديها جهات علمية، كما لديها جهات اللسان.
فبما أننا نتواصل بها، ونتكلم بها، ونتفاهم بها، ونتخاطب بها، فهي لسان؛ وبما أنها محتوية على قواعد وعلوم، فهي علم.
كذلك هناك قاعدة نستخدمها بكثرة في كلامنا، نقول:
إن الحديد يقطع بالحديد، لا بالخشب والمطاط.
والعلم يُفهم بالعلم، والعلم لا يُفهم باللسان، بل يُفهم بالعلم.
فإذا كان الدين علمًا، فنحن نحتاج إلى لسان علمي يفسّر لنا العلم.
فالعربية علم؛ لأنها تحتوي على الجهة العلمية، لذلك تأهلت لشرح الإسلام وتفسيره، وهي اللغة الوحيدة القادرة على شرحه، بينما اللغات الأخرى مترجمة وناقلة، لا تصلح لتفسير الإسلام، كالأردية والإنجليزية والألمانية والصينية.
إذن هنا: أيهما أسهل؟ هل نفهم الدين بلغة الدين مباشرة، أو نفهمه أولًا بالترجمة، ثم نقدّمه عن طريق الترجمة؟
أيهما أسهل وأخصر: فهم العلم بالترجمة أم فهم العلم بالعلم؟
هذا هو المنطق الأسهل؛ فالواجب أن نتعلم العربية ونعلّم الدين بها.