آفات اللسان
🪶محمد شعيب
جامعة الصفة كراتشي
لا شك أن الله تعالى منح الإنسان نعما لا تعد ولا تحصى وأشار إليه بقوله: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَةَ ٱللّٰهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ﴾ (1)، ومن أجلّها البيان، واللسان.
وبه القدرة على إفصاح الكفر والإيمان – وهما غاية الطاعة والعصيان -.
وبالبيان يتميز الإنسان عن البهائم والجمادات، ويستطيع أن يعبر عما في ضميره، كأنه ترجمان القلب، لكن شره أوسع من خيره، فمن قيّده بلجام الشرع، وجنّب نفسه عن الفضول والهذر كثّر عليه خيرَه، وأمسك شره.
—فاللسان ذات حدّين، فمن استخدمه في ذكر الله وطاعته، و في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإعانة المظلوم، وقضاء حوائج الناس، فقد شكر النعمة، ومن أساء استعماله، وسلك به في كل واد كتفرقة بين المسلمين، وفي كذب وشهادة زور، فقد كفّر النعمة، وقال النبي ^: « هل يكبّ الإنسان في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم » (2) ؛لأن كثيرا من الجنايات سببها اللسان، فنتحدث عن البعض: من الكذب والغيبة والنميمة، والهمز واللمز، واللعن والطعن.
الكذب: إطلاقه على الأفعال كالأقوال، وعُد من علامات النفاق.
وله قسم آخر، يقال له النُكَت: هو وضع الحكايات لإضحاك لناس، وأصبحت في الزمان الجاري المفتون صدقا كما قيل: “تعوّدُوا على الكذب تعوّدًا حتى يطلق عليه الصدق، وقد ورد الوعيد الشديد عن الرسول ^ ، فقال : «ويل للذي يحدّث بالحديث ليضحك به القوم فيكذب، ويل له ويل له» (3).
الغيبة: الغِيبة: الوَقيعة في النَّاس؛ لأنَّها لا تقال إلا في غَيابه، يقال: اغتابه اغتيابًا إذا وقع فيه وذكره بما يكره من العيوب وهو حق، والاسم الغِيبة، وهي ذكر العيب بظهر الغيب، وغابَه: عابه، وذكره بما فيه من السُّوء، كاغتابه. (3) وهي أشد من الزنا، كما ورد في الحديث، وهي على ثلاثة أنواع: الغيبة والإفك والبهتان، وتشمل الغيبة كل ما يُرام منه الذم سواء أكان بكلام، أم بغمزة، أم بكتابة، وهي آفة خطيرة من آفات اللسان؛ حيث ذكرها في القرآن المجيد: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتٗا فَكَرِهۡتُمُوهُۚ﴾ (4) والغيبة أسرع في دين الرجل من الأكلة في الجسد.
كثرة الكلام: الإكثار في الكلام اللغو الذي لا حاجة إليه يوجب قساوة في القلب، وقال سيدن عمر بن الخطاب : «من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه، ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به»، ومن أمثالها: النميمة، واللعن والطعن، والهمز واللمز توقع الإنسان في الهلاك، و في قعر المذلّة.
جوارح الإنسان كلها مرتبطة باللسان في الاستقامة والاعوجاج، فمن استقام لسانه على الحق أوقع أثره في سائر جسده، فحصل له ما يحصل من فوائده، وتعمّ تلك في جميع أجزائه، فمن اعوجّ كلامه، ومال إلى الباطل، وركن إلى الظلم فتمسّه النار، كما روي عن أبي سعيد الخدري أن النبيّ ^ قال: «إذا أصبح ابن آدم، فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان فتقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك؛ فإن استقمت استقمنا، وإن اعوَجَجت اعوججنا» (5)، واهتم أصحابنا وأكابرنا وأسلافنا على حفظ ألسنتهم من المخالفات بالرغم كانوا أهل التقوى وأهل المغفرة، فسيدنا أبو بكر الصديق كان يمسك بلسانه ويقول: «هذا أوردني الموارد» وكان ابن مسعود يحلف بالله ويقول: «والذي لا اله إلا هو، ما على الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من لسان».
______________
(1) (النحل: 18).
(2) الترمذي، محمد بن عيسى، سنن الترمذي، رقم الحديث: ۲۳۱۵.
(3) االقاموس للفيروز أبادي ، ص/121.
(4) الترمذي، محمد بن عيسى، سنن الترمذي، رقم الحديث: 2407.