نبذةٌ من سيرة الدكتور أمجد أحسن علي
أ. نصير الله المنصور
المدرس بمدرسة ابن عباس بكراتشي
انتقل إلى رحمة الله الداعية، الدكتور، العالم النبيل، محيي السنة، ناشر العربية في ربوع باكستان، مؤسس مدرسة ابن عباس الشهيرة بناشرة العربية، الفقيد أمجد أحسن علي بن التشوهدري محمد علي رئيس وزراء باكستان سابقا، وكان عهد رئاسة ممتدا من 12 أغسطس 1955م إلى 12 سبتمبر 1956م.
كان الفقيد رجلا هزيلَ الجسم نسيم الوجه عظيم الهمة، قوي العزم والقلب والإرادة، شيخًا يعلوه الوقار والبهاء، ويجلوه التواضع والسكينة، مطمئن النفس والبال، هادئ الطبع، متواضعًا في مشيته وجلساته، مصممًا في أقواله وأهدافه، متمسكًا بالسنن في جُلِّ أفعاله وأعماله، مهتمًا بالغريب والقريب، صامدًا مثل الجبل الشامخ، زاهدًا عن الدنيا وراغبًا في الآخرة، رجلا لا يعرف الخيبة والهزيمة، مؤمنًا بربه وراض بقضائه، وفي جلِّ أعماله الإخلاص…
ورجل ما رأتْ عينايَ مثله في عزائمه وإراداته، لو قلتُ لم أكن مبالغا: لقد كان ألمعي زمانه، وعبقري دهره، وفريد عصره.
عاداتُه وصفاته:
رجلٌ مهتمٌّ بالعبادات والطاعات، وطالبٌ شغوف بالعلم والرياضات البدنية والروحية، وأذكر لكم حياته التي قضاها عندما كان طبيبا في إحدى المستشفيات الكبيرة بكراتشي المعروفة باسم “لياقت نيشنل”.
أيامَ كان طبيبا في نفس المستشفى؛ لم يرضَ بالقعود والتخلية بالنفس، والقناعة بما عنده من علم وعمل؛ بل كان يتلو من كتاب الله ما قُدِّر له كسورة “يسين” و”رحمن” كل صباح، ويُرشد الناس والعملة إلى دين الله المتين؛ فكان يقوم بالدعوة إلى الله، ويرغب النساء في اختيار الحجاب، ويزور العلماء في مساجدهم لتلقي العلوم الشريعة حتى نال من علومهم ما نال، وتخرج سنة 1986م في جامعة العلوم الإسلامية، وهذا يدل على شغفه بالعلم، وحبه الخاص للعلوم الدينية، واستمر على هذه الصفات حتى سنة 2013م حيث تخلَّى عن شغله في المستشفى.
ومما يدلُّ على بذاذته وعدم رغبته في الدنيا؛ أنه لم يعتدِ المكيَّفات في بيته ولا في غرفته الخاصة بالمدرسة، ولم يستخدم السيارات الفاخرة؛ بل المستعملة منها والرخيصة، وكان يسوق السيارة بنفسه، لم يتَّخذ لخدمته السائق ولا لحراسته الحُرَّاس، كان يحبُّ الجلوس على الأرض والاستراحة على الحصير، ويسافر بالقطار مع الشعب العام.
وأنا بدوري كمسؤول لفرع “كاتهور” جالستُ الدكتور كثيرا منذ سنتين في مشورات كانت تنعقد بـ “كاتهور”، فرأيته عن قرب، وكان أول ما يسأل عنه حين قدومه المدرسة أحوال الطلاب:
هل الطلاب يتهجدون؟ هل يمارسون الرياضة البدنية؟ هل يهتمون باللغة العربية؟ هل يدعون الناس إلى الله بعد العصر يوميا؟
فكنت إذ أشرع في الإجابة؛ وأرى من إصغائه والتوجه التام نحوي؛ كأنه والد شفيق يريد أن يطَّلع على أحوال أبنائه، أهم في راحة فيرتاح براحتهم وطيب إقامتهم، أو في مشقة فيدعو الله لهم العافية والقبول، ويتدبر لهم أقصى ما يمكن من تدبير، وعند معرفة أي معاناة يعانيها الطلاب كان يحزن ويغتم، وكان يتفكر لحل معاناتهم.
خدماتُه الجليلة:
لم يكن لِيحرمَ الأمة الميراثَ النبوي ولغة الضاد؛ التي أُنزل بها الوحي من فوق سبع سماوات، فكان من أعماله الجليلة التي عورض لأجلها معارضات شديدة؛ لكنه كما عُرف من عزمه المصمم وإرادته القوية الصامدة صمود الجبال هو:
إنشاء مدرسة البنات عائشة سنة 1988م فأعطت أكلها وأنبتت نباتا حسنا، وقد رزقها الله القبول، ومن ثم تفرعت فروعها وتشعبت، وانتشرت داخل باكستان كلاهور وخارجه، ولم يكتفِ بهذا القدر من الخير، فأسَّس بإزائها مدرسة البنين سماها “مدرسة ابن عباس” سنة 2000م، التي أُسست على ركنين متينين: الدعوة والتبليغ وتعليم العلوم الدينية باللغة العربية ونشرها في العالم.
فاختار من العلماء الدعاة والمهرة في تعليم اللغة العربية الفصحى من داخل البلد وخارجه، فكانت الدراسة من اليوم الأول باللغة العربية، ولا يخفى على المُلم الخبير خيراتُها ونفحاتُها التي سرتْ في مشارق الأرض ومغاربها؛ ولا تزال تعطي ثمارها، ثم توسعت هذه الدائرة فتفرَّعت إلى فرع في إسلام آباد وفرعين في كراتشي بأورنكي وكاتهور، ما عدا الأقسام التي اكتنفتها كقسم الروضة في بهادر آباد، وقسم التحفيظ للأطفال، وقسم الحفاظ للذين يحفظون الأحاديث المتفقة من كتابي البخاري ومسلم.
إنشاء مكتبة البشرى:
ومن أجل أعماله إنشاء مكتبة البشرى التي امتازت بطباعة كتب المقرر الدراسي في أجمل حلة وأنفس طباعة وأرخص قيمة، استفاد منها الطلاب والعلماء، وأُعجبوا بها إعجابا مذهلا، ولا تجد مدرسة من مدارس باكستان خاصة تخلو من كتبها.
العلاج بالحجامة والأغذية المسنونة:
الدكتور لم يكن ليدع العمل بالسنن في حياته العادية حتى في علاجه الناس، فكان ينصح الناس بالعلاج المسنون، ويرشدهم إلى ما فيه صلاحهم، فإذا أتاه آت بالتحليلات المكثفة، والأشعة الصينية المتراكمة لم يكن ليتأثر بها، أو يتنازل عن رأيه في العلاج بالأغذية والحجامة، فكان يصف لهم العلاج بالحجامة وهو على يقين به، فاستفاد منه خلق كثير، لقد كان الشيخ الدكتور محييًا لهذه السنة المهجورة، وله في طريقة العلاج بالحجامة كتاب بالأردية يجب أن يقتنيه العامة والخواص، اسمه “الحجامة”.
العلاج بالصلاة:
كان يقول في أكثر كلماته “من صحت صلاته صح جسمه”، فقد عالج الكثير من الناس الذين اشتكوا آلام ظهورهم، فكان يرغب في أدعية الصلوات المأثورة في قيامها وركوعها وسجودها، وكان يستدل بأحاديث صحيحة، وبالفعل؛ أنشأ بيئة في محيط المدرسة وفروعها، فأصبحت الصلوات شبه طويلة وأقرب إلى السنة بكثير؛ بحيث استطاع المصلي أن يهتم بالأدعية المأثورة في القومات والجلسات.
رحلة وفاته:
لقد وافاه اليقين وهو في خمس وثمانين من عمره ليلة الإثنين بتاريخ 27 من أغسطس سنة 2023م، أسأل الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته وفضله، ويدخله فسيح جناته، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده.
هذا ما تذكرته من حياته؛ وكان أكثر ما يقول: إذا سألتم فاسئلوا الله تعالى ولا تسئلوا شيئا من المخلوق.