من دلائل إعجاز القرآن الكريم
دكتور / إبراهيم عبد الجواد بسيوني هِنّه
دكتوراة في اللغة العربية جامعة الأزهر الشريف
قول الله : ﴿لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللّٰهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّۧنَ وَآتَى الۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ ﴾ (1).
تساءل قوم: كيف يخبر باسم العين عن المعنى؟ فإن “البر” في قوله : ﴿وَلَٰكِنَّ البِرَّ مَنۡ آمَنَ بِاللّٰهِ…﴾ مصدر، فكيف يُخبر عنه بالذات اسم الموصول “مَنْ” ولابد أن يكون المبتدأ هو الخبر في المعنى؟
نحاول استجلاء ذلك من خلال دراستنا لهذه الآية الكريمة -إن شاء الله تعالى- متبينين سلامة التركيب اللغوي في الآية الكريمة وموافقته لكلام العرب، ومستوضحين وجه عظمة النظم القرآني باختصاص الآية الكريمة بهذا التركيب.
وفي الآية الكريمة أمران جديران بالتوقف عندهما:
أولهما: كيف يخبر باسم العين عن المعنى؟
ثانيهما: ورود كلمة “الصابرين” منصوبة في سياق مرفوع، وسنرجئ ذلك لنتناوله في مبحث خاص بالنصب على المدح -إن شاء الله تعالى-.
أما بخصوص الأمر الأول وهو الإخبار بالذات عن المصدر، فللعلماء في ذلك مذاهب:
المذهب الأول:
أن في الكلام مضافا حذف وأقيم المضاف إليه مقامه، والقائلون بهذا الرأي فريقان:
الفريق الأول: يقدر الحذف من اسم “ليس” فيكون التقدير: ولكن ذا البر -يعني صاحب البر- من آمن بالله… فهؤلاء يقدرون اسم ليس عينًا ليصح أن يكون الخبر عينًا أيضًا (2).
يقول البغوي: “وقيل معناه: ولكنّ ذا البرّ من آمن بالله، كقوله : ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (3)، أي: ذوو درجاتٍ” (4).
الفريق الثاني: يقدر حذف مضاف من خبر “ليس” فيكون التقدير: ولكنّ البرّ برّ من آمن بالله واليوم الآخر… يعني أنهم يقدرون الخبر مصدرا؛ ليصح أن يُخبر به عن المصدر.
يقول الطبري : “فإن قال قائل: فكيف قيل: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾، وقد علمت أن “البر” فعل (5)، و “مَنْ” اسم، فكيف يكون الفعل هو الإنسان؟
قيل: إن معنى ذلك غير ما توهَّمتَه، وإنما معناه: ولكنّ البرّ برُّ من آمن بالله واليوم الآخر، فوضع “مَنْ” موضع الفعل اكتفاء بدلالته، ودلالة صلته التي هي له صفة من الفعل المحذوف، كما تفعله العرب فتضع الأسماء مواضع أفعالها التي هي بها مشهورة، فتقول:
“الجود حاتم، والشجاعة عنترة”، ومعناها: الجودُ جودُ حاتم والشجاعة شجاعةُ عنترة، فتستغني بذكر “حاتم” إذ كان معروفا بالجود، من إعادة ذكر “الجود” بعد الذي قد ذكرته، فتضعه موضع “جوده”، لدلالة الكلام على ما حذفته، استغناء بما ذكرته عما لم تذكره، كما قيل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ (6)، والمعنى: أهل القرية (7).
تناول سيبويه ذلك في كتابه تحت عنوان “هذا باب استعمال الفعل في اللّفظ لا في المعنى لاتّساعهم في الكلام والإيجاز والاختصار”، فيقول:
“ومما جاء على اتّساع الكلام والاختصار قوله : ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ (8)، إنّما يريد أهل القرية، فاختصر وعمل الفعل في القرية كما كان عاملا في الأهل لو كان ههنا، ومثله: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (13)، وإنّما المعنى: بل مَكْرُكُم في الليل والنهار، وقال : ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾، وإنّما هو ولكنّ البرّ برُّ من آمن بالله واليوم الآخِر… لكنه جاء على سعة الكلام والإِيجاز لعلم المخاطب بالمعنى، ومثل ذلك من كلامهم: بنو فلانٍ يطؤُهم الطريقُ، يريد: يطؤُهم أهلُ الطريق…” (9)، ثم استشهد سيبويه لذلك بشواهد كثيرة من القرآن الكريم ومن كلام العرب شعرا ونثرا، والتي منها على سبيل المثال قول الحطيئة (10):
| وشرّ المنايا ميّت بين أهله |
| كهُلك الفتى قد أسلم الحيّ حاضره(11) |
يريد: شرّ المنايا منيّةُ ميّت، فحذف المضاف الذي كان خبرا: “منية” وأقام المضاف إليه: “ميت” مقامه.
تعرض السيرافي لذلك في شرحه لكتاب سيبويه وذكر الشواهد وشرحها ثم قال:
“وقد بينا حذف المضاف والاكتفاء بالمضاف إليه فيما مضى، وإنما ذكره سيبويه حجة في الاتساع والاختصار… ولا معنى للتشاغل بنقض هذا الكلام، إذ كان جوازه في كلام العرب وغيرهم أشهر من أن تحتاج معه إلى إقامة دليل” (12).
ذكر أبو حيان اختيار سيبويه تقدير الحذف من الثاني، ورجحه، وذكر سبب ذلك حيث يقول:
“وإنما اختار هذا سيبويه ؛ لأن السابق إنما هو نفي كون البر هو تولية الوجه قِبل المشرق والمغرِب، فالذي يستدرك إنما هو من جنس ما ينفى، ونظير ذلك: ليس الكرم أن تبذل درهما، ولكنّ الكرم بذل الآلاف، فلا يناسب: ولكنّ الكريم من يبذل الآلاف” (13).
يعني أن تقدير سيبويه وغيره: ولكنّ البرَّ برُّ من آمن، أليق بالمعنى المقصود؛ لأن تقدير المضاف مع الخبر أنسب؛ لأن الكلام في سياق تصحيح مفهوم البر.
والذي يبدو لي أن الأضبط أن يكون تقدير الآية الكريمة على مذهب سيبويه ومن تبعه: ولكن البرّ إيمان من آمن بالله…إلخ؛ لأن المصدر المقدر من خبر “لكنّ” لا من اسمها، فينبغي أن يكون التقدير موافقا للخبر لا للاسم، وبذلك يكون قد حذف المصدر، وذكر مكانه اسم موصول يتضمن دليلًا عليه، أعني أن الفعل “آمنَ” الواقع في الصلة دليل على المصدر المحذوف “الإيمان” -والله أعلم-.
المذهب الثاني:
ذهب الفراء إلى جواز الإخبار عن المعنى باسم العين والعكس إذا كان اسم العين يدل على المعنى، يقول:
“قوله : ﴿ولكِنّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِالله﴾ يكون المصدر يكفي من الأسماء، والأسماءُ من المصدر إذا كان المعنى مستدلا عليه بهما؛ أنشدني الكسائيُّ :
| لعمرُك ما الفِتيان أن تَنْبُتَ اللِحَى |
| ولكنما الفِتيانُ كلُّ فتى ندِي(14) |
فجعل خبر الفتيان (أنْ) وهو كما تقول: إنما السخاء حاتمٌ، وإنما الشعر زُهَيرٌ” (15).
ويقول أبو حيان في تفسير مذهب الفراء هذا:
“وقال الفراء : من آمن: معناه الإيمان، لما وقع “مَنْ” موقع المصدر جعل خبرا للأوّل، كأنه قال: ولكن البرّ الإيمان بالله…”.
ثم نقل عنه بيت الشعر الذي استشهد به الفراء :
| لعمرُك ما الفِتيان أن تنبُت اللِحَى… |
وعلق عليه بقوله: “جعل نبات اللحية خبرًا للفتى، والمعنى: لعمرك ما الفتوة أن تنبت اللحى” (16)، يعني أن كلمة “الفتيان” لما تضمنت معنى الفتوة جاز أن يكون خبرها مصدرًا نباتُ اللحى.
المذهب الثالث:
أنّ “البرّ” اسم فاعل من بَرَّ يَبَرُّ، ولذلك صح أن يُخبر عنه باسم موصول، يوضح السمين الحلبي رأي القائلين بذلك حيث يقول:
“البرّ: اسم فاعل من بَرَّ يَبَرُّ فهو بِرٌّ، والأصلُ: بَرِرٌ بكسرِ الراءِ الأولى بزنة “فَطِن” فلما أريد الإدغام نقلت كسرة الراء إلى الباء بعد سلبها حركتها، فعلى هذه القراءة لا يحتاج الكلام إلى حذف وتأويل؛ لأنّ البرّ من صفات الأعيان، كأنه قيل: ولكن الشخص البرّ مَنْ آمن” (17).
المذهب الرابع:
أن يكون قد أطلق المصدر على الشخصِ مبالغة، وذلك مثل قولهم: “رجلٌ عَدْلٌ”، يريدون وصفه بأنه عادل، لكنهم لا يقصدون معنى اسم الفاعل ذاته، بل يريدون أن يبالغوا في وصفه بالعدل حتى كأنه صار هو العدل ذاته.
يقول أبو حيان : “البرُّ معنى من المعاني، فلا يكون خبره الذوات إلاّ مجازا، فإمّا أن يجعل البر هو نفس من آمن على طريق المبالغة، قاله أبو عبيدة …” (18).
وأبو عبيدة ذكر ذلك أحد وجهين الذي أجازهما، فيقول:
“ويجوز ألا يرتكب الحذف، ويجعل المصدر بمعنى اسم الفاعل، أو يقال بإطلاق البر على البارّ مبالغة” (19).
وإلى هذا المذهب ذهب العلّامة الرضي ، فقد ذكر هذه الآية الكريمة ضمن ما يكون فيه المبتدأ أو الخبر معنىً والآخر عينًا، فيقول:
“أو لكون واحد من المبتدأ والخبر معنى والآخر عينًا ولزوم ذلك المعنى لتلك العين حتى صار كأنه هي، كقول الخنساء (20):
| تَرْتَعُ ما رتَعَتْ حَتّى إذا ادَّكَرتْ |
| فإِنّما هيَ إِقْبَالٌ وإدبارُ(21). |
وقوله تعالى: “ولكن البر من آمن ” وإن قدرنا المضاف في مثله في المبتدأ، أي لكن ذا البر من آمن، وحالها إقبال، أو في الخبر نحو: بر من آمن، وذات إقبال، أو جعلنا المصدر بمعنى الصفة، نحو: ولكن البارّ، وهي مقبلة، جاز، لكنّه يخلو من معنى المبالغة” (22).
فالرضي يذكر أن تقدير مضافٍ يجعل الكلام خاليًا من المقصود بهذا الأسلوب وهو معنى المبالغة.
وممن أجاز هذا الرأي المبرد حيث يقول معلقًا على قول الخنساء “فإِنّما هي إِقبال وإدبار”:
“ويكون على أنه جعلها الإقبال والإدبار لكثرة ذاك منها” (23).
ولقد بيّن الإمام عبد القاهر الجرجاني في ثنايا تناوله لقول الخنساء المذكور أن وجه ذلك في كلام الفصحاء أن يُجعل على سبيل المبالغة والتجوّز وإبراز المعنى في صورة محسوسة، حيث يقول:
“وإنما تجوّزت في أن جعلتها لكثرةِ ما تقبل وتدبر ولغلبة ذاك عليها واتصاله بها، وأنه لم يكن لها حالٌ غيرُهما، كأنها قد تجسّمت منَ الإِقبال والإِدبار… لأنّا إِذا جعلنا المعنى فيه الآن كالمعنى إِذا نحنُ قلنا: “فإِنما هي ذاتُ إقبالٍ وإدبارٍ”، أفسدنا الشعر على أنفسنا وخرجنا إلى شيءٍ مغسول وإلى كلامٍ عاميٍّ مرذولٍ، وكان سبيلُنا سبيل من يزعمُ مثلًا في بيتِ المتنبي:
| بَدَتْ قَمَرًا ومالَتْ خُوطَ بانٍ |
| وَفاحَتْ عَنْبَرًا وَرَنَتْ غَزالا(24). |
أنه في تقديرِ محذوفٍ وأن معناه الآن كالمعنى إذا قلتَ: بدتْ مثلَ قمرٍ، ومالتْ مثلَ خوطِ بانٍ، وفاحتْ مثلَ عنبرٍ، ورنتْ مثل غزال في أنّا نخرج إلى الغثاثة، وإلى شيءٍ يَعْزِلُ البلاغة عن سلطانها، ويخفض من شأنها ويصدّ بأوجُهِنا عن محاسنها ويسدّ باب المعرفة بها وبلطائفها علينا…” (25).
إذن فهذا الكلام مبني على المبالغة، وأي تقدير للكلام بغرض إخراجه عن الإخبار بالاسم الموصول “مَنْ” في قوله : ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ عن المصدر يخرجه من بلاغته ويحوله إلى كلام ضعيف غير وافٍ بالغرض الذي نظم من أجله على هذه الشاكلة.
وللشيخ محمد أبو زهرة رأي وجيه، فقد اتفق مع عبد القاهر الجرجاني والرضي وغيرهما ممن يأبون تقدير مضاف محذوف، لكنه جعل الخبر دالّا على البر بمفهوم الحال المكونة من الكلام كله حيث يقول:
“وإننا نرى أن حذف المضاف أو عدم تقديره يعلو بالكلام إلى أعلى درجات البيان، إن الكلام يكون دالًا على البر بمفهوم الحال المكونة من الكلام كله، فيكون المعنى: ليس البرّ المقصود من الديانات الإلهية أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر المقصود وهو الغاية من الديانات الإلهية هو الحال التي يكون عليها من آمن بالله واليوم الآخر…، وآتى المال على حبه ذوي القربى إلى آخر ما بينته الآيات، فهذه الحال المجتمعة من تلك الصفات، وهذه الأعمال المهذبة المربية لمجتمع فاضل هي البر، وعلى ذلك لا تحتاج إلى تقدير” (26).
فعلى هذا يمكن أن يقال: إن اسم الموصول صح أن يقع خبرًا عن البر وهو مصدر؛ لأن اسم الموصول “مَنْ” بمجموع صلته، وما عطف عليها يتضمن مفهوم البر بمعناه العام.
تعقيب
وبعد، فقد بدا لنا جليًا أن الآية الكريمة: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ تتجاذبها أوجه الفصاحة والبلاغة من كل جانب، سواء من قبيل كونها جاءت على سعة الكلام والإِيجاز لعلم المخاطب بالمعنى، ومثل ذلك من كلامهم: بنو فلان يطؤهم الطريقُ، يريد: يَطَؤُهم أهلُ الطريق، وكما مر في قول الشاعر: وشرّ المنايا ميّت بين أهله…إلخ، يريد: شرُ المنايا منيّةُ ميّتٍ، فحذف المضاف الذي كان خبرا: “منية” وأقام المضاف إليه: “ميت” مقامه -كما هو مذهب سيبويه ومن تبعه -، وقد حققنا أن الأضبط أن يكون تقدير الآية على ذلك: ولكن البرّ إيمان من آمن بالله…إلخ؛ لأن المضاف المقدر من جملة خبر “لكنّ” لا من اسمها، فينبغي أن يكون التقدير موافقًا للخبر لا للاسم، وبذلك يكون قد حذف المصدر، وذكر مكانه اسم موصول يتضمن دليلا عليه، أعني أن الفعل “آمن” الواقع في الصلة دليل على المصدر المحذوف “الإيمان” كما تقدم.
أو من قبيل ما ذهب إليه الفراء من جواز الإخبار عن المعنى باسم العين والعكس إذا كان اسم العين يدل على المعنى.
وأحسن من كل ما تقدم أن يقال: إن اسم الموصول صح أن يقع خبرا عن البر وهو مصدر؛ لأن اسم الموصول “مَنْ” بمجموع صلته، وما عطف عليها يتضمن مفهوم البر بمعناه العام، كما أشار إليه الشيخ محمد أبو زهرة .
ومع كل هذا يترجّح لديّ أن الآية الكريمة من قبيل إطلاق المصدر على الشخصِ مبالغة، وذلك مثل قولهم: “رجل عَدل”، يريدون وصفه بأنه عادل، لكنهم لا يقصدون معنى اسم الفاعل ذاته، بل يريدون أن يبالغوا في وصفه بالعدل حتى كأنه صار هو العدلَ ذاته كما ذهب إليه عبد القاهر الجرجاني والرضي وبعض المعربين .
إن النظم القرآني البليغ يجعل المؤمن المعُبّر عنه بـ “مَنْ آمن بالله…” هو البر نفسه، فإذا قيل إن البر هو المؤمن فقد جُعل المؤمن كأنه مصدر للبر من كثرة يفعله من أعماله.
وإننا نلمح في التعبير القرآني ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ معنى لطيفًا دقيقًا ذا مغزى كبير؛ لأن “مَنْ آمَنَ” يدل على ذوات تمكن الإيمان في قلوبها، فالإيمان حالّ في تلك القلوب ولو كان قد قيل: ولكن البر الإيمان، لكن هذا الإيمان مجرد فكرة لا محل لها، بل هي مفصولة عن الذوات يعني إيمان نظريّ لا عملي، وهذا ليس بسديد لكن لما جعل هذا وصفًا للذوات المدلول عليها بـ “مَنْ” التحم الإيمان بالمؤمن، والمؤمن بالإيمان، فتحول إلى إيمان عملي متمكن في القلوب في مقابلة الإيمان الشكلي الذي لم يرضه القرآن وهو توجه الوجوه نحو المشرق والمغرب (27).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة البقرة الآية 177.
(2) ينظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج 1/213، وكشف المشكلات للباقولي 1/73، والبيان في غريب إعراب القرآن للأنباري 1/139.
(3) من الآية 163 من سورة آل عمران.
(4) معالم التنزيل (تفسير البغوي) 1/186.
(5) يقصد بالفعل هنا المصدر.
(6) من الآية 82 من سورة يوسف.
(7) تفسير الطبري 3/339، وينظر أيضًا إعراب القرآن لأبي جعفر النحاس 1/280، ومشكل إعراب القرآن لمكي بن أبي طالب 1/118.
(8) من الآية 82 من سورة يوسف.
(9) من الآية 33 من سورة سبأ.
(10) كتاب سيبويه 1/211-213، ويُراجع ذلك أيضًا في معاني القرآن للأخفش 1/52- و1/167، والأصول في النحو لابن السراج 2/255، والإنصاف في مسائل الخلاف لأبي البركات الأنباري 1/372.
(11) الحطيئة هو جرول بن أوس بن مالك العبسي، أبو ملكية: شاعر مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام وأسلم ثم ارتد، لقب بالحطيئة لقربه من الأرض، فإنه كان قصيرًا، وهو من فحول الشعراء وفصحائهم، وكان ذا شر، ونسبه متدافع بين القبائل كان ينتمي إلى كل واحدة منها إذا غضب على الأخرى، توفي نحو سنة 45 هـ. تراجع ترجمته في طبقات فحول الشعراء لابن سلام 1/97، وفوات الوفيات لابن شاكر الكتبي 1/276، والأعلام للزركلي 2/118.
(12) البيت في ديوان الحطيئة صـ 62، وهو أيضًا ضمن مجموعة أبيات له في طبقات فحول الشعراء لابن سلام 1/112، وهو أيضًا من شواهد أمالي المرتضي 1/50، والإنصاف في مسائل الخلاف لأبي البركات الأنباري .1/61.
والشاعر يريد أن شر الموت هو موت من قضي حتف أنفه دون أن يشهد حربًا، كما تموت الفتاة المقصورة في بيت أهلها، وقوله- حاضر الحي: النازل فيه، يُراجع تحصيل عين الذهب (شرح الشواهد) للأعلم الشنتمري 1/110.
(13) شرح كتاب سيبويه لأبي سعيد السيرافي 2/106.
(14) البحر المحيط لأبي حيان 1/496.
(15) معاني القرآن للفراء 1/427.
(16) البحر المحيط لأبي حيان 1/496.
(17) الدر المصون للسمين الحلبي 1/446، ويُنظر أيضًا التبيان في إعراب القرآن لأبي البقاء العكبري 1/77، والمحرر الوجيز لابن عطية 1/243.
(18) البحر المحيط لأبي حيان 1/496.
(19) مجاز القرآن 1/65.
(20) الخنساء هي تماضر بنت عمرو بن الحارث الرياحية السلمية، من بني سليم، من مضر من أهل نجد، أشهر شواعر العرب، عاشت أكثر عمرها في العهد الجاهلي، وأدركت الإسلام فأسلمت أكثر شعرها وأجوده رثاؤها لأخويها (صخر ومعاوية) وكانا قد قتلا في الجاهلية.
(21) البيت في ديوان الخنساء صـ 46 من قصيدة لها ترثي أخاها صخرًا والتي مطلعها:
قَذىً بعينِكَ أم بالعَين عُوَّارُ أم أقفرَتْ إذْ خلَتْ من أهلها الدارُ.
(22) شرح الكافية للرضي 1/226-227، ويُراجع أيضًا التحرير والتنوير لابن عاشور 2/128.
(23) المقتضب 3/230.
(24) البيت في ديوان المتنبي صـ 262، وخزانة الأدب 3/222 , وشرح الكافية للرضي 2/70. والخوط الغصن الناعم، الواحدة خوطة، والبان نوع من الشجر واحدها بانة، ورنت أي أدامت النظر في سكون الطرف، وواضح أن الإمام عبد القاهر لا يستشهد ببيت المتنبي على قاعدة نحوية وإنما ذكره على سبيل التمثيل والشرح والتوضيح.
(25) دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني صـ 201-202.
(26) زهرة التفاسير 1/518.
(27) حقائق الإسلام في مواجهة شبهات المشككين صـ222 لمجموعة من العلماء وهذا الذي نقلناه للدكتور عبد العظيم المطعني.