“فوضى عارمة والقادم أكبر”
أ.فضل السلام
الأستاذ بالجامعة الرحمانية فيصل آباد
في الآونة الأخيرة بدأت تحدث أمور غريبة غير عادية تقطع في السنة والشهور من المرحلة ما كانت تقطعه في القرون العديدة.
تسلسلت الأحداث كأن خيط السبحة انقطع، فبدأت حبّاته تتساقط على الواقع واحدة تلو الأخرى.
تطورات صناعية وابتكارات مذهلة وحروب طاحنة وفتن تقشعرّ لها القلوب، تنسينا أواخرها أوائلها.
تسارعت خطواتها بعد جائحة كوفيد كورونا، فانسدت الطرق، وغلت الأسعار ، وانتشرت من الأمراض ما لم تكن تخطر على بال، وكثرت الحرائق من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، آخرها في جزيرة “هاواي” الأمريكية التي أصبحت كالصريم، ومن عجائب حريق “هاواي” أنه أحرقت السفن والزوارق داخل تلك البحيرة حسبما تداولته نشرات الأخبار، والحرائق في إسبانيا واليونان والمغرب وتركيا والجزائر وكندا وأُستراليا والصين وغيرها لا تعد، وفيضانات تدمر الحرث والنسل، وقعت في العالم قاطبة انطلقت شرارتها من شرق آسيا، وأخذت منها كل بقعة من أرجاء المعمورة نصيبها: الخليج العربي ودول أوربا والغرب وإفريقيا.
ومن غرائب هذا العالم وقوع الثلوج في ألمانيا بكثافة في عز الصيف ومنتصفه، وانخفضت درجة الحرارة إلى ما دون الصفر على غير المعتاد.
وأما الزلازل فمن تركيا وسوريا التي راحت ضحيتها الآلاف، ولا تمرّ بنا يوم إلا ونسمع عن زلزال تضرب، وفيضانات تجتاح، وحرائق تندلع وتلتهم.
وأما الحروب فكأن الدنيا على شفا حفرة من نار، حرب موسكو مع كييف الأوكرانية، ومن خلفها حلف الشمال الأطلسي (الناتو)، وتوترات بين اليابان وكوريا الشمالية مع كوريا الجنوبية واقتتال لا تكاد تنتهي بين السودانيين بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع السودانية، وبين الدولة اليهودية وفلسطين الحرة.
وخلافات مستعصية بين فرنسا والنيجر تجرهما إلى الحرب الطاحنة اليوم أو بعده، وبین أرمینیا وآذربایجان وبيلاروسيا وبولندا سلسلة من الاتهامات لا تكاد تتوقف، والصّين عازمة على ضم جزيرة تايوان الجمهورية ذات حكم ذاتي إليها مهما كان الثمن.
والانحراف عن الدين والانحطاط الأخلاقي وصل إلى حد غير مسبوق، فظهرت من القبائح ما تشمئز عن ذكرها النفوس، ويستقبح سردها الألسن، الشذوذ واستغناء الرجال بالرجال والنساء بالنساء بحماية قانونية دولية مجمع عليها عند الغرب، حتى خرج الرئيس الأمريكي جوبايدن يعلن قائلا: اليوم نرسل رسالة واضحة إلى العالم أنّ أمريكا أمة مثلية، وباتت للشيطان معابد علنيّة في أمريكا وانجلترا وسويسرا وبلجيكا وبرازيل يؤدون فيها الطقوس الشيطانية من غیر خجل ولا حياء.
وأقبلت فئة يقدّمون أنفسهم كالحيوانات لا يرضون لأنفسهم بالبشرية والإنسانية، ويتمنون أن لو كانوا كلابا أو قِططًا، هذا يحبّ أن يُدعى بالكلب، وذاك يفضل أن ينادي باسم الهرّة، ويحق لهم قانونياً أن يرفع دعوى قضائية ضد من لا يعترف بكونه كلبا، ويتعامل معه کالإنسان، وقد أنشئت لجنات “نادي الكلاب البشرية” في بريطانيا وغيرها.
الفظائع المجاهرة بالفساد أصبحت كل ذلك موضة نافقة في سوق العالم.
ومن جهة أخرى عادت أرض العرب مروجا وأنهارا كما في رواية مسلم، وانحسار غير مسبوق لمياه نهر الفرات وكما يقول البعض: يلفظ أنفاسه الأخيرة.
كما أن القلوب قد طرأ عليها من التراجع في العبادات والخوض فيما لا يغني ولا ينفع، فقد نجدها أخلصت لله حين نتوب إلى الله أو نجالس المتقين أو نسمع العلماء ونطالع بعض کتبهم، ثم لم تمض طويل الوقت إلى أن نستنكرها، ثم لوم النفس وتأنيب الخاطر على ما يحدث دون جدوى كأن القلوب مقيدة مع ارتفاع مستويات الهموم والاكتئاب وعدم الطمأنينة ونقص الطاقة الإيجابية وكثرة الشهوة.
كأنها صورة صادقة حيّة لقول الله تعالى ﴿ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِي ٱلنَّاسِ﴾.
تلك معضلة داهية فما المخرج منها؟ اللهم إلا أن يقال: إن الله لا يأخذ الناس على حين غرة، ودون سابق إنذار، وهو لرحمته بعباده أرسل إليهم هذه النذر والآيات التي تحذّرهم مما هم فيه من الكفر والضلال، أو إنذار بما هو القادم، فقد ملئت الدنيا ظلما وجورا، وعقّ الرجل أباه، وأقرب صديقه، وولدت الأمة ربّتها والحفاة العراة العالة رعاء الشاه تطاولوا في البنيان، وأناس يشربون الخمر، ويسمونها بغير اسمها، وكثر القتل إلى غير ذلك من الفتن التي تقع وتكثر، وتدق الأفئدة، عافانا الله وإياكم.