إن الحياة دقائق وثواني
عزت محبوب
أود أن أكتب فكرتي في السطور القادمة متمنيا أن تنال إعجابكم، وتحوز على رضاكم.
ذات يوم اعتكفت في غرفتي ممسكا بالقلم، ومتفكرا في عصرنا المتطور، وعالمنا الناهض، ومتدبرا في انطلاق الغرب نحو الأمام يوما فيوما، وتخلّف الشرق شيئا فشيئا.
خطر ببالي سؤال: ما الجودة التي تسببت نجاح الغرب ونموّهم؟ وما الأصالة التي توجب براعتهم وتفوّقهم؟ وما ميزتهم التي لعبت دورا مزدهرا في مجتمعهم؟
فجأة أجابني همّي: أن المجتمع الإسلامي يعاني حاليا بشكلٍ عامٍ إضاعةَ الوقت، وأما المجتمع الغربي يقدر الوقت بكل ما فيه من عيوب ونواقص، ويعيش الحياة في ظلِّ نظام منتظم، فلذا تطوّر في العلوم والتكنولوجيا؛ لأن الذي عرف قدر الوقت عمّر الصحاري مخضرة مثمِرة، ويمكنهم احتلال السماء، ويستطيعون إخضاع العناصر الكونية، ويتمكنون على تدمير الجبال وشق الصخور، وبالعكس الذين يُهمِلون أوقاتهم الثمينة يصرعهم الزمان، ويعيشون عيش الخسران، ويسقطون في حفرة العبودية و الكفران.
إن الوقت من أهم النعم التي أنعم الله بها على كلِّ أحد على حدٍّ سواء، أ كان كبيرا أو صغيرا، عالما أو جاهلا، غنيا أو فقيرا، لكن الذي يستغله بشكل جيد ينجح في حياته؛ لأن الفارق الأساسيّ بين الناجح والفاشل هو استخدام الوقت وتنظيمه أو إضاعته.
مثل الوقت كمثل كُتلة من الجليد موضوعة في الشمس الحارقة، لو استغلها صاحبها و إلا فتذوب على أيّ حال. لكن اليوم أرخص شيء في مجتمعنا هو الوقت، وليست لدينا فكرة عن قيمته وقدره؛ لذلك سهل علينا جدا إضاعة الدقائق من خلال عدم تقدير لحظات الوقت، والساعات من خلال عدم تقييم الدقائق، والأسابيع من خلال عدم تقييم الساعات، والأشهر من خلال عدم تقييم الأسابيع، والسنوات من خلال عدم تقييم الأشهر، حتى سهل علينا العمر قاطبة، ونقضي الوقت والعمر كلها في غرف الضيوف والفنادق، والتجمعات الخاصة بلا جدوى.
وكم من وقتنا الثمين نضيِّع في الثرثرة والغيبة والافتراء والنوم المفرط دون أن ندرك ذلك، رغم أن الإسلام يعلمنا أنه لا يمكن أن تحل المشكلات، ولا أن تستقيم الحياة، ولا أن تنهض المجتمعات والحضارات، والمرء المسلم يضيع الوقت فيما لا يفيده، والنبي يُوصينا بوصية من أعظم الوصايا، ويحُثّنا أشدَّ الحث على استثمار الوقت، ويدعونا إلى اغتنام الفرص، ويخبرنا أنَّ مَن فرَّطَ في ذلك فقد يأتي عليه زمان يتمنَّاه ليعود؛ لأن الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، ويحيل بينه وبين الوقت الموت، فقال لرجلٍ وهو يَعِظُه: « اغْتَنِمْ خَمْسًا قبلَ خَمْسٍ: شبابَكَ قبلَ هَرَمِكَ، وصِحَّتَكَ قبلَ سَقَمِكَ، وغِناءكَ قبلَ فَقْرِكَ، وفَراغَكَ قبلَ شُغلِكَ، وحَيَاتَكَ قَبلَ موتِكَ ».
يشير في هذا أن تقضي الوقت بعناية واهتمام، وتغتنم الحياة قبل الموت، وذلك لأن الوقت من أثمن الموارد التي منحها الله تعالى للإنسان، ودعاه للمحافظة عليه وجعله من الأمور التي سيسأل الإنسان عنه يوم القيامة، ويتذكره أنه سيحسب عنه يوم الجزاء، كما قال النبي : « لا تزول قَدَما عبدٍ يومَ القيامةِ حتى يُسألَ عن عُمُرِه فيمَ أفناهُ، وعن عِلْمِه فيمَ فَعَلَ، وعن مالِه مِن أينَ اكتَسَبَه، وفيمَ أنفَقَه، وعن جِسْمِه فيمَ أبْلاه».
مما لا مرية فيه أن اليوم الذي أنت تعيش فيه هو العصر الذهبي لك، وغدا في الشيخوخة لا تعرف بأي ظروف تتأثر؟ وبأي أمراض واعتلالات تصاب؟ واليوم أنت صاحب الثروة والمال والقوة، لا تعرف ماذا سيحدث غدا؟ لذلك افعل اليوم ما تريد أن تفعله، واكسب اليوم ما تريد أن تكسبه، وانفع اليوم ما تريد أن تنفعه، لا تنتظر الغد، ولا تُخدَع لأجل الغد، لأن النبي قال: «نِعمَتانِ مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناسِ: الصِّحَّةُ والفَراغُ».
يمكن تقدير أهمية الوقت مقترنة بحقيقة أن كل شخص ناجح يقول: قدِّر الوقت، وكل شخص فاشل ينصح: قدر الوقت، ولكن الرجل الناجح يعظ لاستخدامه بشكل صحيح، وأما الرجل الفاشل يشير عليه بعد ضياع وقته.
ومن الحقيقة أن الماضي لا يعود، ولكن في كل لحظة آتية، وكل صباح، ليعطي الضوءَ المنبعثَ من أشعة الشمس المشرقة رسالةَ أملٍ، وهذا هو الأمل الوحيد الذي يقوم عليه هذا العالَم.
ومن أفضل الطرق لتقدير الوقت أن يتعامل مع كل يوم في حياته على أنه آخر يوم له، ويعيش كل لحظة بشعور من المسؤولية، فلن يتم القيام بالكثير من الأعمال فقط، بل سيتم إحداث تغيير إيجابي في المجتمع.