نور تجلت به القيم والأخلاق
شاهد الوافي كدميري
يا له من عهد تم تحويل البشرية فيه من الاعتداء إلى الاعتدال، ومن دمس الجهالة إلى نور الهداية، ومن عبادة الأصنام العاجزة إلى عبادة الواحد الصمد، ولم يسبق بمثله عهد قبله ولم يصل إلى مستواه عهد آخر بعده، حيث أشرقت فيه شموس العدالة، وتبلورت فيه مقاييس السلامة، إلى أن صارت أوراق التاريخ مكتظة بأحداثه النيرة، من تغيرات الأحوال واستقامة الأمور في سائر بقاع العالم، إبتداءً من شبه الجزيرة وانتشارًا إلى كل جهات الأرض، بعد أن طالت بها الفترة منقطعة عن بعث الرسل ونزول الوحي.
ومن الواضح وضوح النهار أن بزوغ شمس الإسلام ومجيء مبلّغ الرسالة الأخيرة كان في زمن تعدى فوضاه كل حدوده وتردت أوضاعه إلى أسوئه، حيث حكمت على المولودة بوأدها من قبل أن تنبض بلذة الحياة هنيهة، وشنت الحروب بين القبائل على اسم تخطي جمال البعض حمى بعض آخر، وبلغت الاضطرابات الاجتماعية عنان السماء ولم يوجد بينهم من يجيد التعامل معها ويحوّل الحال إلى أحسن حال، بل كلها كانت تتناهى إلى سفك الدماء الفضيح.
وبينما كانت المشكلات على كل الأصعدة تسيل إلى المجتمعات كالسيل الجارف، وتزيل القيم والمبادئ بحذافيرها، ففوجئت بالبشارة السماوية بظهور نبي كريم من بين أظهرهم، والذي عرفت أمانته لدى الأهالي والقبائل منذ نعومة أظفاره، وذاع صيته بينهم كالصادق المصدوق حتى لا يكون هناك فرد يشير إلى نقصه فينكر نبوته، ثم لم يلبث أن تاقت القلوب العطشى إلى صاحب الرسالة الربانية، وارتوت من معين حبه اللا حدود له، رغمًا عن الظروف الصعبة التي مر بها النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه في الوقت نفسه، من تتابع الاضطهادات حيال رسول الحق وأتباعه، على غرار طردهم جميعًا من مساقط رؤسهم دون أي رأفة ولا رحمة، ومن خلفه تكابدوا من الخسائر الفادحة ما تكابدوا، ولكن الأمر لم يوقفهم لحظة عن متباعة سيدهم طوعًا لا كرهًا، ولم يخطر ببالهم ذرة ألم على ما فاتهم من المال والثروات، وعلى من فارقهم من الأهل والأقرباء، وذلك لأنهم كانوا من الذين آثروا ثواب الآخرة الخالدة على متاع الدنيا الزائلة، كما يشير إليه قوله تعالى:
{مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} [الشورى:٢٠]
ولا غرو أن أشعة النور الإلهية انعكست على الصدور بسرعة البرق، وانتهت إلى ربوع الأرض في زمن غير بعيد، مع أنها جذبت الانتباهات إلى سحريتها، وجمعت النفوس المختلفة تحت رايتها، حتى لم يتمكن للعدو أن يحطم إيمانهم ويضعف شوكتهم، بل ظلوا معًا في حالة النعم والنقم كروح واحدة في أجساد متباينة، ورأوا الإسلام أنه الدين القويم الذي لا اعوجاج فيه، والمخرج الوحيد الذي لا ضيق بعده، فبذلوا من أجله النفوس والنفائس، وجعلوا الدفاع عنه مبلغ أهدافهم، مصداقًا لمقولة قديمة”الخلق أشباح وقوالب تجري عليه أحكام القدرة” يعني ؛أحكام الله سبحانه وتعالى.
ومن المحال أن يحصى عدد الصحابة الذين قدموا الدعم للإسلام وقدروا من شأنه ومن شأن حبيبهم صلى الله عليه وسلم حق تقديره، وكلما تطلب منهم الأمر للخروج إلى الغزوات لكانوا حاضرين معه قلبًا وقالبًا، أو للإنفاق في سبيل الله لكانوا يأتون إليه بكل ما في وسعهم من الصدقات، حيث أجاب صاحب الرسول لسؤاله:
((يا أبا بكر، ما أبقيتَ لأهلِكَ؟))، قائلًا: أبقيتُ لهم الله ورسوله.
وهكذا كانت حياتهم وكأنها أهديت تماما في حب الله ورسوله، لايترددون فيه برهة ولا يخافون فيه لومة.
وجدير بالذكر هنا أن الإسلام قد اعتلى أمره لهذه الدرجة، وأخذ بصميم الأفئدة بهذه السهولة، ليس لمجرد أنه دين واحد من بين عدد عديد من الأديان، ولكنّه كان من ورائه حقائق مسلّمة عند كافة البشر، ولا تخفى عليهم خافية منها لا محالة، وهي أن هذا الدين قد اهتم ولا يزال يهتم بالقيم الاِنسانية غاية الاهتمام، والتي يقدمها للناس في أطر على اختلاف أنواعها، مع غض النظر عن الأديان والثقافات التي ينتمي إليها الإنسان، رعاية لفضله وكرمه كإنسان يعيش على ظهر الأرض، ويقاسم الطعام والشراب تارة، ويشارك الفرح والحزن أخرى، كما يؤكد به قول من جل شأنه في محكم تنزيله:
{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ وَحَمَلْنَٰهُمْ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَرَزَقْنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلْنَٰهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍۢ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء ٧٠]
وبالاختصار أن هذا الدين السماوي الذي بلغ برسالاته الغالية خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، أصبح لكل هائم يتفقد طريقه دربا سديدًا، ولكل غريق يتأوه من نفسه حبلا متينًا.
ولم يلفظ الرسول أنفاسه الأخيرة إلا بعد أن أدى الأمانة التي ألقيت على عاتقه، ونصح الأمة التي وعدهم بشفاعته العظمى يوم الآزفة، فضلًا عن إنقاذهم من مآزق الدنيا الدنيئة، وإرشادهم إلى سبل الحق والرشاد، وتشكيلهم بالخلق والإحسان، واللطف والعرفان مع سائر خلق الرحمن.
وفقنا الله للثبات على دينه الحنيف والاتباع لنهج رسوله الكريم إلى يوم يقوم الحساب.
بقلم ؛”شاهد الوافي كدميري” محاضر في تنسيق الكليات الإسلامية،كيرلا،الهند.
شخصية الكاتب
إسمي “شاهد الوافي كدميري”محاضر في تنسيق الكليات الاسلامية،كيرلا،الهند. وخريج الماجستير في قسم الشريعة الإسلامية بحرم الوافي الجامعي المنتسبة إلى تنسيق الكليات الاسلامية الواقعة بولاية كيرلا،الهند.
إني مهتم باللغة العربية وأدبها منذ نعومة أظفاري مع أن عمري تجاوز الآن عن أربعة وعشرين. وبعون الله قد تم نشر مقالاتي الأدبية في اللغة العربية لعدة مرات على المستوى الدولي، إضافة إلى أن تم حصولي على شهادة العالية في اللغة العربية والعلوم الدينية من جامعة تنسيق الكليات الاسلامية وشهادة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي من جامعة كالكوت الحكومية.
ولا زلت مهتما بتقديم الأعمال الأدبية والعلمية في اللغة العربية. والجدير بالذكر أنه قد تم تقديم ورقتي المختصة بأصوات اللغة العربية بمناسبة المؤتمر الدولي التي عقدتها جامعة كالكوت.
وبصفتي كمناظر قدأتيحت لي الفرصات بالمشاركة في المناظرات العربية على المستوى الوطني والجامعي وقد حظيت أيضاً بأن أكون أفضل مناظر، وكخطيب قد شاركت أيضاً في العديد من مسابقات الخطبات العربية على المستوى الجامعي.
Account details
MUHAMMAD SHAHID CH
A/c – 67244157901
IFSC – SBIN0070856
Branch- NADAPURAM
SWIFT Code- SBININBB
WhatsApp No:9745913810(Google pay & Phonpe)