مضامین

ما وراء الفوضى العامة ؟

نعيش في عصر حديث سيطرت عليه اللبرالية الصادرة من أوربا، والإسلام يُقهَر لقبولها مع غثِّها وسمينها جبرا وقسرا، وتنفيذها بين الشعوب المسلمة بمنافعها ومضارّها ظلما وقهرا، وإجراءها بين عامة المسلمين عدلا وجورا، حتى سُلب منهم حرية الفكر واستقلال الرأي، واستخدامُ العقل۔

أصدرتها العقول السقيمة، والقلوب المريضة، مصرّةً على اقتناع أهل الإسلام وسلوكهم  مسلكها، وتغيير قيمهم القيمة، وخلقه القويمة. مجهودُهم اصطباغُ حضارته بحضارتها، وخلطُ تمدنه بتمدنها، وهؤلاء اللبراليون – لو تعمقتَ النظر في كتاباتهم  وخطاباتهم – تجدهم منهزمين أمامها، خاضعين لها أي خضوع: سقطت عقولهم، ومالت قلوبهم، وأرادوا إسقاط العالم الإسلامي، وتراهم متأولين في النصوص والأحكام، ومحرّفيها۔

وبجانبهم فرقة رضيت بسلطة الغرب السياسية والحضارية، وتخيَّلت النجاح في سبيله، والفوز في اقتفاء أثره۔

هاتان الفرقتان في العالم الإسلامي اصطدمتا الإسلام الطبيعي والحقيقي: الإسلام العربي والسماوي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، هو ذكر نازل من خالقهم، ومحفوظ من جانبه، يبقى ببقاء الإله، لا يفني، ولا يرمّ، ولا يبلَى، ولا يخلَق، ولا ينهزم، ولا ينزلق، فكيف يسقط؟

وتسببتا نحو التفريق بين المجتمعات الشرقية والغربية، وفشوّ انتشار فيما بينها، وزرع فتيل النزاع بداخلها، وعموم الفوضى الثقافية والسياسية والفكرية، وهذه الفوضى هي أول خطوة لسقوط شعبٍ وقومٍ، وانهزام دولة وحضارة حِذاء حضارة مغايرة ومعاندة، وهي نفسها  تُعَمّق الظلم والطغيان الاجتماعية، وتُقلِّل فرصَ التنمية، وشيوع الفقر والجهل، وسيادة القيم التقليدية، والروابط القائمة على النسب والقرابة، وهيمنة العائلة و العشيرة والقبيلة، وتكون علة لاختلال التوازن بين السلطات التنفيذية، والتشريعية، والقضائية في النظام السياسي، وغياب التشريعات والأنظمة التي تكافح الفساد، وتفرض العقوبات على مرتكبيه، وغياب النزاهة والشفافية في الأخذ والعطاء، وتؤدي إلى خلخلة القيم الأخلاقية، وإلى إحباط المؤهلات الطبيعية، وانتشار اللامبالاة، والسلبيات بين أبعاض المجتمع، وظهور التعصب والتطرف في الآراء، وتكثير الجريمة؛ كرُدود فعل لانهيار المواصفات الفطرية وعدم تكافؤ الفرص۔

وهذا التفرق والانقسام يؤول إلى انهيار دولة، وسقوط نظام، وهو الدرس القاسي الذي يهدينا التاريخ إليه، كسقوط دولة عباسية إثر الانتشار الفكري، واللامبالاة السياسي، وفقدان الوعي الإسلامي في الحقوق۔

وتشتُّت دولة العثمانيين بعد التحزب والتطرف السياسي والديني والنظامي والقبلي واللساني، ويشهد له التاريخ الجاري من سقوط أنظمة الدول العربية: من السودان، وسوريا، والمغرب، والجزائر والأخرى من شقيقاتها

ومن الأسف الشديد أن السلطات الحاكمة في الدول الإسلامية والعربية لا تهتدي إلى خسائر هذا الفساد، فأنى تسد وراءه الباب؟

وعلاج العبودية الفكرية والحضارية والمدنية أن يُّزرعَ في نفس الفرد والمجتمع الثقةَ بالنفس، والأَنفة، والفتوّة، والتقدير لذاته، وحريّة الرأي، ودقة النظر، وعلوّ الهمة۔

 وأن يُّجبَل على الشرافة والنجابة، والكرامة، والفخامة، وببذر عواطف الاستقلال له أن يتنفّس في بيئةٍ حُرّةٍ، ولا يرضى بِذُلّ وهوان ورقٍّ، ولا يطيع المستبدين إلا بعد أن يُساوَى في قدره، وأداء حقوقه۔

 التثقيف والتعليم والتربية ثم الأُبَّهة الدينية، والأنفة الذاتية هي التي تقيم الفرد تُجاه طُغيان وعُدوان، وتُشعِل فيه نيران الكفاح والمبارزة، ويستطيع أن يعلن جهارا: أنه لا يتقلد قلادة العبودية، ولا يخضع لجورِ جائر، ولا ينخدع من لبرالية وديمقراطية ظاهرها حرية، وباطنها شر العبودية، ويجاهر بقوله: أن المؤمن مطلَق من كل أنواع الرِّقِّيّة، و “العِزُّ كلُّ العِز في الحرية”۔