مضامین

إن الله تعالى في عون العبد ماكان العبد في عون الله

تأملات قرآنية

أ.محمود اليوسفي

من المقطوع لدى كل من لديه أدنى إلمام بالتفسير، أن آية التنزيل الحكيم ﴿يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ أَرۡضِي وَٰسِعَةٞ فَإِيَّايَ فَٱعۡبُدُونِ﴾ (العنكبوت: 56)، قد نزلت في تحريض المؤمنين الذين كانوا بمكة على الهجرة -حسب قول الإم المقاتل و الإمام الكلبي t -، فأخبرهم الله تعالى بسعة أرضه، وأن البقاء في بقعة صبرا على أذى الكفار ليس بمستحسن، بل أحرى أن يبحث  له مكانا آمنا يؤدي فرائضه بكل اطمينان.

الأستاذ بمعهد الخليل الإسلامي كراتشي

وقال الإمام ابن جبير والعطاء t: ” تتطبق هذه الآية على الأرض التي فيها الظلم والمنكر، وتلزم الهجرة عنها إلى بلد حق”.

أول ما یشتد علی المرء ھو ترك وطنه ومسقط رأسه بظلم يتحمله، ولن یرضی  بترکه إلا لحاجة ماسة، وکآبة ھذا المنظر أقلق شأناً للمؤمن ومن ثَم قیل: “حب الوطن من الفطرة”، وحسب رواية ابن عباس k قال رسول الله ﷺ -عند مغادرته مكة-: «ما أطيبك من بلد وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك».(1)

ھا! قد عاش طالبان مدة عشرین سنة في کھوف وجبال مصممي العزم الصارم، وكانوا کل حین بشأن استقلال الوطن الإسلامي، والذود عن حوزة الإسلام وحذافيرها، بأن لم یألوا أیَّ جُھد في تخریب الحلف الأطلسي، من حیث التيارات و ساحات الغزو الفكري، ولم یقعدوا ولو ثوان إلا کانوا ذابین عن حریم الوطن، إذاً أنبھك بأن قتالھم ھذا لم يكن قتالاً فحسب بل کان سدًّا مسدودا للفتن والأفکار التي أتت بھا الأميركا وحلفائھا.

ولایخفیٰ علی أيّ ذي لبّ مشروعية ھذا القتال المبارك خلال عشرين سنوات، وأھمية هذا الجھد المتواصل لکونه في ضوء قتال رسول اللہ ﷺ، بأنهم أطردوا في أول الأمر عن أوطانھم وبلدانھم فضعفوا ما ضعفوا في صورۃ السجن والحبس والتعذیب إلى سنوات عدیدۃ ولكن مااستكانوا، فالبعض قد نُفوا عن صفحة الأرض ولم يعرف أحد عنهم إلى الآن ، ودونه قد اضطر کثیر منھم تغییر أزیاھم ومواصفاتهم وأسمائھم في شتیٰ المناطق، فاستقاموا لله، غیرخائفين لومة لائم ولا طعنة طاعن، ولم يخضعوا في أي أمر الحرب من الجروح والشھادة ، بل استعدوا للتضحیة المثالیة بشکل تفدية أموالھم وأقلامھم، إلى أن ضحّوا نفوسھم في جمیع مجالات الحرب، وکانوا قد يُرضعون دوما بلبان حب  قول الرحمٰن ھذا – عز و جلَّ- : ﴿مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللّٰهَ عَلَيۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن يَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُواْ تَبۡدِيلٗا﴾ (الأحزاب: 23).

یقول الإمام الفخر الرازي في تفسير هذه الآية: إشارة إلى وفائهم بعهدهم الذي عاهدوا الله أنهم لا يفارقون نبيه إلا بالموت، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من لايزال يقاتل وينتظر الشهادة وفاءا بالعهد، وما بدلوا تبديلا بخلاف المنافقين فإنهم قالوا: لا نولي الأدبار، فبدلوا قولهم وولوا أدبارهم، وعن أبي هريرة ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ: «الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر»،(2) القصد منه: بأن كل مؤمن مسجون ممنوع في الدنيا من الشهوات المحرمة والمكروهة، مكلف بفعل الطاعات الشاقة، فإذا مات استراح من هذا، وانقلب إلى ما أعد الله تعالى له من النعيم الدائم والراحة الخالصة، وأما الكافر فإنما له من ذلك ما حصل في الدنيا مع قلته وتكديره بالمنغصات فإذا مات صار إلى العذاب الدائم وشقاء الأبد.

والله قدَّر نصر عبادہ المؤمنین کما رُئي من قبل في شتی الأدوار، ولاسیما في عھد الرسول ﷺ وأصحابه الکرام y، قد وعد اللہ تعالیٰ فی کتابہ المبین: ﴿وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللّٰهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ (العنكبوت: 69).

والمراد بأن الذين بذلوا وسعهم وطاقتهم في محاربة الكفار ، ومخالفة النفس والهوى فِينا، أي: في ابتغاء مرضاتنا ونصرة ديننا وامتثال أوامرنا والانتهاء عن مناهينا، لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا، سبل السير إلينا والوصول إلى جنابنا وصولا بلا كيف أو لنرينهم سبل الخير ونوفّقهم سلوكها.

وهذا لا يخفى على أحد بأن كان الناس دوماً یطعنون المجاھدین الأبطال بالذل وقلة السلاح والقوۃ مع القول بحقانیة شؤون الحریف، ولکن الله – سبحانه وتعالیٰ – أراد أن یُرِي الخلق إسقاط النظام المحكم بید الضعفاء، فکان الحلفاء في بدایة الأمر يدعون قوَّتھم وجبرھم کما کان آبائھم من قبل، وھذا لیس بجدید، بل القرآن دلّنا إلى إساءتھم للإسلام والمسلمین وإلزام المکافحة تجاہ ھٰولاء الذئاب بقوله: ﴿لَنُخۡرِجَنَّكُم مِّنۡ أَرۡضِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۖ﴾ (إبراهيم: 13).

فالمؤمن لیس من شأنه الیأس والقنوط بل الإعداد مزیدا خلال الحرب وفقاً لقوله تعالیٰ: ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعۡنَآ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ لَيُخۡرِجَنَّ ٱلۡأَعَزُّ مِنۡهَا ٱلۡأَذَلَّۚ وَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ (المنافقون: 8)، وقد سمعنا کثیراً من المجاهدين قائلين حلفاً: بأني کنت بین یدیھم أحفر الأرض لدفن العبوۃ الناسفة، وإنھم لم یتمکنوا أن یروني.

نعم، قدشاھد العالَم أنه لیس لدى المجاهدين أي نوع من الأسلحۃ ووسائل الإعلام کي يدافعوا عن أنفسهم، ولكن الله إذا أراد شیئاً فلا مُعقّب لحکمه، فھذہ السنوات الحرجة مرت علیھم في جوع وعطش وبرد قارس، ولکنهم لم یترکوا ذیل الاستقامة.

والحرب الأُخری هي حرب وسائل الإعلام الَّتي لم تأل أي جھد في إبراز المجاهدين إرھابیين، وقرَّر الاحتلال کثیراً من الأفغان لنشر الأکاذیب والخربشات وإفساد العقائد علی قنوات شتّی بثمن بخس، حیث لم یکن عملھم إلاَّ التزویر وإشاعة الفحشاء، وقد اُنفق علیھم کثیر من الأموال لتزويد افتراءاتھم، وھذا من الحرب یُعدُّ نوعا من السلاح بل أشد منه قوۃ ونشراً وأثراً کما حدث في غزوۃ أُحد حیث أذاعوا شھادۃ محمد ﷺ لتمزیق وحدۃ المسلمین ولکنھم کما فشلوا ھنالك فکذا ھٰھنا خابوا وخسروا، والقرآن قد أرشد الأمة حقیقتھم من قبلُ بشأن أخبارھم وحبِّھم للإسلام والمسلمین بقوله: ﴿إِن تَمۡسَسۡكُمۡ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡ وَإِن تُصِبۡكُمۡ سَيِّئَةٞ يَفۡرَحُواْ بِهَاۖ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡ‍ًٔاۗ إِنَّ ٱللّٰهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ﴾ (آل عمران: 120).

ھناک جملة وحقیقة لا یأباھا أي عاقل: والعاقبۃ للمتقین، وهذہ العاقبة: ھی العاقبۃ الحسنة قد شاھد العالم کافة بشکل واضح، وھو نجاح طالبان تجاہ الکفاح العالمي حیث ضحوا أنفسھم لإعلاء کلمة الله بأقصیٰ شکل وإلباس أجسامھم لباس المواد المفجرۃ ناوین بــ ﴿إِنَّ ٱللّٰهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللّٰهِ فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ وَٱلۡقُرۡءَانِۚ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ فَٱسۡتَبۡشِرُواْ بِبَيۡعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعۡتُم بِهِۦۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ﴾ (التوبة: 111).

کانت ھذہ حکایة وصورۃ حقیقة لدیٰ تضحیاتھم البارۃ بین یدي الرب المتعال الذي لایغادر عبدہ وحیداً ماتمسك بأمرہ وحبله المتین، وطالبان یوصي إلی العالم الإسلامي بکلمة حال أنه لابدَّ للاستقلال المثالي والدفاع عن حریم الدین والوطن من التشبث بحبل الرحمٰن تجاہ ھٰؤلاء الشیاطین ولا ینبغي أي تذبذب في أمور الجھاد بل التصرم والتثبت أمام العدوّ في ساحة الحرب -نحن وما نتنفس في حیاتنا کلُّھا لله تعالیٰ شکراً وشکراً-.

الله یعینھم في کل میدان… ھم الرجاء الأخیر… ھم القدوۃ الحق.

_______________________

  • أخرجه الترمذي برقم: (3926)
  • رواه مسلم.